السيد رضا الصدر
112
محمد ( ص ) في القرآن
وذهبت إلى زاوية وبدأت بالبكاء والنحيب ، حتّى ارتفع صوتي وقرع سمع زوجي الكريم ، فأتاني وسألني : لما ذا تبكين ؟ فأجبته : كيف لا أبكي وأنت بالمنزلة التي لك عند اللّه ، غفر اللّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ، وتسأله أن لا يشمت بك عدوّا وأن لا يردك بسوء استنقذك منه أبدا ، وأن لا ينزع منك صالحا أعطاك أبدا ، ولا يكلك إلى نفسك طرفة عين ، فويل لمثلي ؟ ! فقال صلّى اللّه عليه وآله : وما يؤمنني ؟ وإنّما وكّل اللّه يونس بن متّى إلى نفسه طرفة عين وكان منه ما كان . « 1 » ودخل عليه عمر بن الخطّاب وهو موقور شديد المرض ، فقال عمر : يا رسول اللّه ، ما أشدّ وعكك أو حماك ! فقال صلّى اللّه عليه وآله : ما منعني ذلك أن قرأت الليلة ثلاثين سورة فيهنّ السبع الطوال . فقال عمر : يا رسول اللّه ، غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر وأنت تجتهد هذا الاجتهاد ؟ ! فقال : يا عمر ، أفلا أكون عبدا شكورا ؟ ! « 2 » كان هؤلاء الذين يعجبون بعبادات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يزعمون أنّ العبادة إنّما تفيد لغفران الذنوب ، فلذلك كانوا يقولون له : وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ، وهم غافلون أنّ العبادات تقرّب العبد إلى المولى وتزيد في كماله ، فكلّ قرب حصل للعبد يكون فوقه قرب ، إذ لا نهاية في علوّ مقام البارئ ، وإنّ النفس الإنسانية قابلة للترقّي وللتكامل قبولا غير متناه ، إذن لا نهاية للعبادة ، قال تعالى مخاطبا نبيّه : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً « 3 » . ولمّا كانت درجات الكمال غير متناهية ، والإنسان قابل لصعودها ، ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله هو الإنسان الكامل فهو غير متوقّف عند درجة ، بل هو صاعد دائما ، فإنّه دائما في نوع
--> ( 1 ) . تفسير القمّي ، ص 432 ؛ البحار ، ج 16 ، ص 217 ، ح 6 . ( 2 ) . أمالي الطوسي ، ج 2 ، ص 257 ؛ البحار ، ج 16 ، ص 222 ، وج 71 ، ص 48 . ( 3 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 79 .